الجاحظ

28

البرصان والعرجان والعميان والحولان

ولا أعلم الموصوف بالاستبداد إلَّا مجهّلا مذموما ، ولأ أعرف المنعوت بالبدوات إلا مدفّعا مضعوفا . وإنّما الشّأن في وجدان آلة التصرّف ، وفي تمام العزم بعد التبيّن ، لا أعرف إلَّا هذين البيتين ، فليضمم ما زاد ، وليكتب ما . . لبّ [ 1 ] . وما كلام الشّاعر في قصيدته ، إلَّا كقول الخطيب في خطبته . وما ذلك إلَّا كاحتجاج المحتجّ ، واختبار المختبر ، وأوصاف الواصف . وفي كلّ ذلك يكون الخطأ والصواب [ 2 ] ، وقد قال الشاعر : قليل تصاريف الخليقة لا ترى خليلا لعبد اللَّه في الناس قاليا [ 3 ] وقد وصف الآخر قول خليله المتلوّن والمستطرف فقال : شرّ الأخلَّاء خليل يصرفه واش ، وأدنى صاحب يستطرفه ملوّن تنكره وتعرفه فاجعل محاسبة نفسك صناعة تعتقدها ، وتفقّد حالاتك عقدة ترجع إليها [ 4 ] ، حتّى تخرج أفعالك مقسومة محصّلة ، وألفاظك موزونة معدّلة ، ومعانيها مصفّاة مهذّبة ، ومخارج أمورك مقبولة محبّبة . فمتى كنت كذاك كانت رقّتك على الجاهل الغبيّ بقدر غلظتك على المعاند الذّكيّ ، وتحبّ

--> [ 1 ] لم يظهر من هذه الكلمة إلا هذان الحرفان . [ 2 ] كلمات مطموسة في الأصل . [ 3 ] الخليقة : الخلق . وقال زهير : ومما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم أي إنه ثابت الطبع غير مزعزع . والقالى : الكاره للشيء . [ 4 ] يقال اعتقد مالا أو ضيعة : اقتناهما . وكل ما يعتقده الانسان من عقار ونحوه فهو عقدة له .